من اليسير أن نجد مبتغانا في هذا الخصوص ، مما يمكن أن نستخلصه ونقف عنده من بعض مواد الدستور - لا كلها - وعلى وجه التحديد المواد (29،30،31،32،33،34) فقد أحاط الدستور موضوع محاربة التمييز والتفرقة بين المواطنين ، بسياج متين من الضمانات تؤمن للمواطن عدم النيل من كرامته الإنسانية أو التقليل من شأن مواطن دون آخر ، فحيث الجميع متساوون في كراماتهم الإنسانية فهم متساوون لدى القانون في الحقوق والواجبات العامة ، وهذا في الواقع هو ما تقرره المادة (29 ) من الدستور على النحو الذي بيناه وشرحناه قبل قليل عند معالجة حق التصويت.
ونضيف إلى ذلك حكم المادة (30) حيث تقرر : الحرية الشخصية مكفولة ، بمعنى أن القدر المسموح به من الحرية للفرد هو مقرر ومسموح به - على قدم المساواة - لأي فرد آخر دون زيادة أو نقصان وبلا تحيز أو تمييز أو تفرقة بأي صورة من الصور إذ لا تفاضل بين مواطن ومواطن.
أما المادة (31) فهي تحتم بأنه لا يجوز القبض على إنسان أو حبسه أو تفتيشه أو تحديد إقامته أو تقييد حريته في الإقامة أو التنقل إلا وفق أحكام القانون ، ولا يعرض أي إنسان للتعذيب أو للمعاملة الحاطة بالكرامة.
والمقصود بكل ذلك حماية المواطن من التعرض لأي نوع من أنواع التعسف أو الاعتداء على شخصه أو مسكنه أو حريته إلا وفقا للقانون ، كما أنه لا يتعرض بأي صورة من الصور للتعذيب أو المعاملة الحاطة بالكرامة وفي حالة ما إذا وقع الإنسان تحت طائلة العقاب بالطريق القانوني والقضائي ، فإن للعقاب في هذه الحالة ضماناته المنصوص عليها في المواد :
المادة (32) حيث لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة للعمل بالقانون الذي ينص عليها.
والمادة ( 33) حيث العقوبة شخصية لا تطال غير الشخص الذي ارتكب الجرم بمفرده ، ولا تتجاوزه إلى غيره من أهله وأبنائه وأقربائه ممن ليس لهم أدنى صلة بذلك الجرم الذي استحق من أجله ذلك الإنسان عقابه وفقا لأحكام القانون.
والمادة ( 34) حيث تقرر أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تؤمن له فيها الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع ، ويحظر إيذاء المتهم جسمانيا أو معنويا.
وتشير المذكرة التفسيرية للدستور بأنه لم تكن هناك ضرورة للنص صراحة على حظر (العقوبات الوحشية) رغم ورود هذا الحظر في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وذلك باعتبار أن هذا النوع من العقوبات لا مكان له أصلا في المجتمع الكويتي ، ولا توجد مظنة تقريره مستقبلا حتى يلزم النص على حظره ، فسكوت الدستور بهذا الخصوص يؤكد أصالة حظر (العقوبات الوحشية).
وهكذا فبمثل هذه الضمانات الدستورية والمواثيق والأعراف التي نشأ عليها مجتمع الكويت واستمدها من دينه وتراثه وقيمه التي تربى وسار عليها منذ نشأته ، ينعم المواطن في هذه البلاد بالعدل والمساواة والحرية وعدم التفرقة أو التحيز أو التمييز في أي شأن من شؤون الحياة ، فالناس قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ، وهم متساوون في الحقوق والواجبات والكرامة ، وعدم تعرضهم لما يحط من كراماتهم أو يعرضهم لأية ضغوط أو عقوبات لا يقرها الدين ( ولقد كرمنا بني آدم ....... ) أو الأعراف أو القوانين.
2- حرية الأديان والمعتقدات :
تنص المادة ( 35) من الدستور على أن حرية الاعتقاد مطلقة وتحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان طبقا للعادات المرعية ، على ألا يخل ذلك بالنظام العام و ينافي الآداب.
ومن الملاحظ أن أحد أعضاء المجلس التأسيسي الذي وكل إليه وضع مناقشة مواد الدستور ، اجتهادا منه ، طالب بحذف كلمة الاعتقاد واستبدالها بحرية الأديان ، فتم الاتفاق حول تثبيت كلمة الاعتقاد لأنها أوسع وأشمل من نطاق الأديان ، والمقصود بشعائر الأديان في هذه المادة هي شعائر الأديان السماوية الثلاثة الإسلام والمسيحية واليهودية ، وطبقا لهذا النص الدستوري فإن حرية الاعتقاد مضمونة ، وكما قال تعالى في سورة البقرة آية 256 (لا إكراه في الدين).
3- الحرية الشخصية :
لقد أشرنا قبل قليل إلى نص المادة ( 30 ) من الدستور التي تقرر أن الحرية الشخصية مكفولة ، بمعني أن لكل شخص الحق في ممارسة حريته الشخصية في التنقل ومغادرة بلده والعودة إليها وممارسة حرية التفكير والضمير وحرية التعبير عن الرأي الذي يراه ويعتنقه ، وممارسة جميع الحقوق والحريات التي يقررها القانون ، أو يمارس بكل حرية ( كما تقرر ذلك المادة (27) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) الاندماج في مجتمعه والمشاركة في الحياة الثقافية بما يتيحه له من الاستمتاع بالفنون والمساهمة في التقدم والاستفادة من نتائج هذا التقدم وحماية مصالحه الأدبية والمادية المترتبة على إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني ، فالفرد له حرية ممارسة كل هذا المدى من الحرية الشخصية بشرط أن يتم كل ذلك كما أشرنا وفقا لأحكام القانون أو القوانين السارية بما لا يجور على حرية الآخرين ممن يساكنه ويقيم معه مع مراعاة القيد العام الذي يلتزم به الجميع وهو الخاص بالنظام العام واحترام الآداب المرعية في البلاد.
4- حرية المساكن :
تنص المادة (38) من الدستور الكويتي على ما يلي :
للمساكن حرمة ، فلا يجوز دخولها بغير إذن أهلها ، إلا في الأحوال التي يعينها القانون وبالكيفية المنصوص عليها فيه.
فالنص الدستوري يصون للفرد حرمة مسكنه ويحرم بالتالي اقتحام مسكنه أو دخوله بغير إذن صاحب المسكن ، واستثنى النص الدستوري الأحوال التي تقتضيها المصلحة العامة ويحددها القانون وعلي الصورة والكيفية التي ينص عليها فيه بما يأمن معه صاحب السكن من أي تدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو بما يمس من شرفه وسمعته ، فالقانون يحمي الفرد في الاحتفاظ بخصوصية مسكنه ودفع الأذى عنه من التعرض لمثل هذه التدخلات أو تلك الحملات المفاجئة.
5- حرية الصحافة :
المادة (37) من الدستور الكويتي تقرر أن حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون.
فحرية الصحافة - بالطبع - قد أفرد لها الدستورالكويتي الضمانة الواجبة واللازمة ، فهي مكفولة وفقا للشروط والأوضاع التي يقررها القانون.
وحرية الصحافة تدخل في حرية الرأي والتعبير عنه ، وكما أشارت المادة التاسعة عشرة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأن هذه الحرية تتضمن حرية استقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت بما لا يؤدي بالضرورة إلى الإضرار بالمصلحة العامة مع مراعاة النظام العام واحترام الآداب وعدم المس بحرمة الأديان أو الحط من كرامات الأشخاص أو ما يؤدي إلى إثارة البغضاء والكراهية وبث روح الشقاق بين أفراد المجتمع ، أو الإساءة إلى رؤساء الدول مما يتسبب في تعكير صفو العلاقات بين الكويت والبلاد العربية أو الدول الصديقة ، أو غير ذلك مما يبينه القانون المختص في هذا الشأن ، وهو قانون الصحافة أو ما يسمى في الكويت بقانون المطبوعات والنشر.
6- حرية المراسلة البريدية والبرقية والهاتفية :
للحياة الخاصة حرمة مقدسة ، وتشمل هذه الحياة الخاصة خصوصيات المراسلات وغيرها من سبل المخابرة الخاصة وسريتها ، ولا يجوز المساس بها إلا في حدود القانون في الأحوال المبينة وبالإجراءات المنصوص عليها فيه ، وكل هذا - في الحقيقة - هو ما قررته المادة (39) من الدستور الكويتي حيث نصت على أن :
حرية المراسلة البريدية والبرقية والهاتفية مصونة ، وسريتها مكفولة ، فلا يجوز مراقبة الرسائل أو إفشاء سريتها إلا في الأحوال المبينة في القانون وبالإجراءات المنصوص عليها فيه ، فالقانون يصون هذه الحرية ويكفل سريتها ويمنع مراقبة كل أنواع المراسلات على أية صورة كانت بريدية أو برقية أو هاتفية إلا في الأحوال التي يحددها القانون ، وهذا نابع من صيانة الحياة الخاصة للمواطن التي يجب أن يتمتع بها ليضمن بذلك خصوصيات حياته دون أن يقتحمها أو يمسها أحد.
7- حرية تكوين الجمعيات والنقابات :
جاء في المادة (43) من الدستور الكويتي :
(حرية تكوين الجمعيات والنقابات على أسس وطنية وبوسائل سلمية مكفولة وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون ، ولا يجوز إجبار أحد على الانضمام إلى أي جمعية أو نقابة).
وعلى هذا فإن حرية تكوين الجمعيات والنقابات بغرض ودوافع وطنية سلمية دون عنف أو إكراه ، يبيحها الدستور ويكفلها في حدود القانون الذي يحدد الشروط المطلوبة التي تستدعيها - بالطبع - دواعي الأمن القومي والمصلحة الوطنية والسلامة العامة للمجتمع وحماية حقوق الآخرين وحرياتهم.
ولقد كان النص الدستوري يتضمن في الأساس كلمة الهيئات التي تشمل في مدلولها العام بصفة خاصة الأحزاب إلا أن النص اقتصر فقط على كلمتي الجمعيات والنقابات ولم يورد كلمة الهيئات ، وتشير المذكرة التفسيرية بشأن ذلك إلى أن هذا ليس معناه تحريم أو حظر حرية تكوين الأحزاب ، وإنما معناه مرونة النص الدستوري الذي ترك الأمر مستقبلا للمشرع العادي.
وعلى هذا فالنص الدستوري كما هو حاليا لا يلزم بحرية تكوين الأحزاب ولا يحظرها، فإذا دعت الضرورة ولزم الأمر تكوين الأحزاب فعندئذ يسمح الدستور بذلك ، أي أن النص الدستوري الحالي كما تقرره المادة ( 43) لا يحبذ ولا يعترض ولا يأمر ولا ينهي ، ولنا أن ننتظر تطورات الظروف والأحوال فيما تأتي به أيام المستقبل.